آمال أب وأنات أم.. قصة واقعية (2ـ2)

عالم الأسرة » همسات
26 - محرم - 1436 هـ| 19 - نوفمبر - 2014


1

لمتابعة الحلقة الأولى على هذا الرابط

وانقضت عشر سنوات دون جدوى، رغم المحاولات الدؤوبة وبعدها في السنة الحادية عشرة أجريت عملية أخرى للإنجاب عبر الطرائق الحديثة "الحقن المجهري" وقضى الله ـــ عز وجل ـــ أن تحمل الزوجة في هذه المرة، وكانت سعادتها لا توصف بالخبر الذي جاء بعد شوق وحنين وانتظار سنين، وقدر الله لها أن يكون لديها جنينان، ولكن بعد عدة أسابيع لم تلبث الفرحة أن تدوم طويلا، إذ حدث نزيف مفاجئ للأم لتفقد معه أحد الجنينين، لا أستطيع أن أعبر عن الخوف الذي تملَّك الزوجة في هذه الظروف المباغتة، خشية أن تفقد الحمل كله وظلت في غياهب الآلام ما بين يأس ورجاء، ولكن الله سلَّم واستمر الحمل ـــ بجنين واحد ـــ والأم تتحمل آلامه شهرا بعد آخر، في سبيل أن يتحقق أملها الذي انتظرته طويلا (أكثر من عشر سنوات) مع المتابعة المستمرة في المركز الذي أجرى لها العملية، وكتب الله لها أن تأتيها آلام مفاجئة لا مناص معها من الولادة المبكرة في الشهر الثامن، مع ما يصاحب الولادة في هذا الشهر من مخاوف ومتاعب، ولكن لا بديل لذلك، فوضعت الأم حملها، وكانت بنتا وأودعت هذه الطفلة ذات الأشهر الثمانية الحضَّانة؛ حتى يكتمل نموها ومعالجتها من الصفراء التي عادة ما تصيب الأطفال في مثل حالتها، إلى جانب بعض المشكلات الأخرى، فعلقت الأنابيب بهذه الطفلة البريئة مع إشفاق بالغ من أمها، التي لم تفتأ عيناها أن تجف من الدموع، مكتوفة الأيدي لا تملك شيئا لتقدمه لطفلتها في هذه الظروف العصيبة، غير الدعاء لها ليل نهار بالشفاء العاجل، وتمام النمو حتى تخرج من حضَّانتها وتأخذها بيديها لتضمها إلى صدرها وتشمها، حتى تعود مع رائحتها الزكية الحياة إلى أمها التي عانت كثيرا في حملها، وبعد ولادتها، غير قانطة أو متبرمة أو ساخطة؛ لأنها تعلم أن كل ما حدث لها من عند الله لا تملك معه إلا الإذعان والتسليم بقضاء الله تعالى وقدره.

 وبعد ما يقارب الأسبوعين قضتهما البُنيَّة الصغيرة ـــ في العمر والجسم ـــ في الحضانة، تسلمتها أمها من المستشفى، وعادت بها إلى البيت كي تكون قريبة منها، وتعتني بها بنفسها، فما زالت تحتاج إلى مزيد من الرعاية والاهتمام المتواصل الذي لا تتوانى عنه الأم في ساعات الليل أو النهار. فرعاية الطفلة أهم ما يشغلها فهي رهينة صرخة منها أو حركة أو يقظة بعد نوم توحي بأنها تريد الرضاعة أو غير ذلك. المهم أنها تسهر على راحتها آناء الليل، وتقوم على خدمتها أطراف النهار لا تنام إلا سويعات ما سبب لها الأرق والتعب والنصب، ومع ذلك كله يهون في سبيل راحة الطفلة والاطمئنان على سلامتها.

مع هذه العواصف والغيوم التي صاحبت هذه البُنيَّة حملا وميلادا، لا يملك المرء إلا أن يردد قول الله تعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى ـــ الآيتان 49، 50).

        فكل شيء مقدَّر، ولكن على الإنسان أن يتوكل على الله وألا يتواكل، ويأخذ بالأسباب، كل الأسباب حتى يأتيه الفرج من ربه، ولا ييأس من رحمة ربه، وأن يكثر من الدعاء والرجاء، وأن يكون محسنا حتى تقترب منه رحمة ربه، قال تعالى: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِين). {الأعراف من الآية 56}.

وعلى المسلم ألا يقنط من رحمة الله، ولا يدع الدعاء ليلا ونهارا حتى تأتيه المنحة من رب العالمين كما ورد في سورة نوح قوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا). وانطلاقا من قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "لا يردُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ، ولا يزيدُ في العمرِ إلَّا البرُّ"رواه الترمذي وغيره وحسنه، وحسنه الألباني.

فيتعلق العبد بخالقه ومولاه، ويرجو رحمته ورضاه حتى يسعد في دنياه وأخراه.

وما أحرانا أن نردد قول الشاعر حِطّان بن المُعَلَّى:     

وإنما أولادنا بيننا

أكبادنا تمشي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم 

لامتنعت عيني عن الغمض

  

فمهما حاول الوالدان أن ينشغلا بأي شيء عن عاطفة البنوة، فلا يجدان إلى ذلك سبيلا، لأن هذا الشعور فطري لدى كل رجل وامرأة، ولا غنى للوالدين عن الأبناء، الذين هم أغلى ما لديهما في الدنيا وذخر لهما في الآخرة ـــ إن صلحا ـــ وفي الحديث، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم).

فيا مَنْ تترك أطفالك عرضة لمَنْ هبَّ ودبَّ دون تأديب أو تربية، ويا مَنْ تتسخط وتلعن أولادك مدعيا أنهم سبب همومك وعوزك وديونك لا تتبرم ولا تتشكَّ، ويا مَنْ تعق أطفالك في الصغر بإهمالك ومعاملتك السيئة لهم، ويا مَنْ تستعين بأبنائك على معصية الله تعالى، وتجعلهم أجراس خطر، بدلا من أن يكونوا أشجارا تغرسها في بساتين مجتمعك؛ فينتفع بثمارها اليانعة الجميع، أقول لهؤلاء جميعا: اتقوا الله في أولادكم وحافظوا عليهم؛ فهم نعمة من ربكم لا يعلم قيمتها إلا مَنْ حُرِمَها!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- eman - السعودية

26 - محرم - 1436 هـ| 19 - نوفمبر - 2014




انتظرت كثيرا نزول الجزء الثاني من القصة

لأنها تشبه قصتي كثيرا . فبعد انتظار سنين منّ الله علي بتوأم هم بهجة الحياة ونورها :)

الحمد لله على نعمه وفضله التي أتاها لنا دون حول منا ولا قوة .

حسين سويلم

05 - صفر - 1436 هـ| 28 - نوفمبر - 2014

أدعو اللهَ ـــ عزَّ وجلَّ ـــ ألا يحرمَ مسلماً أو مسلمةً الذريةَ الصالحةَ، التي تقرُّ العيونَ وتريحُ النفوسَ وتعينُ على طاعةِ اللهِ وشكرِهِ وعبادتِهِ وتكونُ سبيلَ خيرٍ ورافداً من الثوابِ للوالدينِ بعدَ مماتِهما. فإذا ماتَ ابنُ آدمَ انقطعَ عملُهُ إلا من ثلاثٍ منها ... أو ولدٍ صالحٍ يدعو لَهُ..

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...